عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
461
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « أنّي » العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجرّ ، أي : فاستجاب بأني . وقرأ عيسى « 1 » بن عمر ، وتروى عن أبي عمرو أيضا « إنّي » بكسرها ، وفيها مذهبان : مذهب البصريين : أنّه على إضمار القول ، أي : فقال : إني ممدّكم . ومذهب الكوفيين : أنّها محكيّة ب « استجاب » إجراء له مجرى القول ؛ لأنّه بمعناه . قوله : « بألف » العامّة على التّوحيد ، وقرأ الجحدريّ « 2 » « بآلف » بزنة « أفلس » وعنه أيضا ، وعن السدي « بآلاف » بزنة : « أحمال » ، وفي الجمع بين القراءتين ، وقراءة الجمهور أن تحمل قراءة الجمهور على أنّ المراد ب : بالألف هم الوجوه ، وباقيهم كالأتباع لهم ، فلذلك لم ينصّ عليهم في قراءة الجمهور ، ونصّ عليهم في هاتين القراءتين ، أو تحمل الألف على من قاتل من الملائكة دون من لم يقاتل ، فلا تنافي حينئذ بين القراءات . قوله : « مردفين » قرأ نافع « 3 » ، ويروى عن قنبل أيضا : « مردفين » بفتح الدّال ، والباقون « 4 » بكسرها ، وهما واضحتان ؛ لأنه يروى أنه كان وراء كلّ ملك رديف له ، فقراءة الفتح تشعر بأنّ غيرهم أردفهم ، لركوبهم خلفهم ، وقراءة الكسر تشعر بأنّ الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصحّ التّعبير باسم الفاعل تارة ، وباسم المفعول أخرى ، وجعل أبو البقاء مفعول « مردفين » يعني بالكسر محذوفا أي : مردفين أمثالهم ، وجوّز أن يكون معنى الإرداف : المجيء بعد الأوائل ، أي : جعلوا ردفا للأوائل . ويطلب جواب عن كيفيّة الجمع بين هذه الآية ، وآية آل عمران حيث قال هناك « بخمسة » وقال هنا : « بألف » والقصّة واحدة ؟ والجواب : أنّ هذه الألف مردفة لتلك الخمسة ؛ فيكون المجموع ستة آلاف ، ويظهر هذا ، ويقوى في قراءة : « مردفين » بكسر الدّال . وقد أنكر أبو عبيد : أن تكون الملائكة أردفت بعضها أي : ركّبت خلفها غيرها من الملائكة . وقال الفارسيّ : من كسر الدّال احتمل وجهين : أحدهما : أن يكونوا مردفين مثلهم كما تقول : أردفت زيدا دابتي ، فيكون المفعول الثّاني محذوفا ، وحذف المفعول كثير ، والوجه الآخر : أن يكونوا جاءوا بعد المسلمين . وقال الأخفش « بنو فلان يردفوننا ، أي : يجيئون بعدنا » . وقال أبو عبيدة « مردفين » جاءوا بعد ، وردفني ، وأردفني واحد .
--> ( 1 ) ورويت عن أبي عمرو كما في الكشاف 2 / 201 ، والمحرر الوجيز 2 / 504 ، والبحر المحيط 4 / 460 ، والدر المصون 3 / 398 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 504 ، والبحر المحيط 4 / 460 ، والدر المصون 3 / 398 . ( 3 ) ينظر : السبعة ( 304 ) ، الحجة 4 / 124 ، اتحاف 2 / 77 ، المحرر الوجيز 2 / 504 ، حجة القراءات ( 307 ) ، الكشاف 2 / 202 ، إعراب القراءات 1 / 221 ، البحر المحيط 4 / 460 ، الدر المصون 2 / 398 . ( 4 ) المصدر السابق .